أخرج عقلك من صومعته المتهالكة

مرحباً عزيزي القارئ، هل أنت بخير؟ نعم؟ لا؟ هل أنت متأكد؟!

أتظن بأنك تعلم ما يدور حولك؟ هل أنت متأكد أنك موجود هنا؟ هل قرأت مقالتي هذه بإرادتك أم أن هناك شخصاً يتحكم بك جعلك تقرأها لأنه هو يريدك أن تقرأها؟ هل خطرت على بالك أفكار غريبة ظننت بأنها ساذجة ولا أصل لها في الوجود؟ هل خطر على بالك يوماً ما بأننا كفئران التجارب نعيش داخل غرفة زجاجية يوجد فيها كوننا الذي لا نستطيع أن نرى نهايةً له، وبأن هناك كائنات أعلى درجةً منا هم من صنعونا ليُجروا التجارب علينا من أجل جعل حياتهم أفضل من حياتنا؟!

أعتقد أنه من خلال أسئلتي قد خطر على بالك عزيزي القارئ فيلم (The Matrix) الذي يفترض بأننا نعيش داخل برنامج يصنع محاكاة حاسوبية عظيمة. هذا كله بافتراض أن هناك وسيلة لمحاكاة الوعي؛ فمن المحتمل أن هناك حضارات في المستقبل صنعت هذه الأجهزة الخارقة لتحاكي الماضي الذي نعيش فيه حالياً. فكما نعلم، من المستحيل الرجوع إلى الماضي، فتخيل معي عزيزي القارئ أنه عوضاً عن الرجوع للماضي، قد تم صنع هذا الجهاز الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي، وأُدخلت في ذاكرته كل القصص التاريخية التي نعرفها، وحوّلها عن طريق الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى عالم داخل قوقعة تستخدم المصفوفات لتتوقع ما حصل في الماضي حسب القصص التاريخية التي نعرفها.

إن روحانية الفيزياء المعاصرة معناها أن المادة ليست مجرد مادة جامدة، وأن الطبيعة ليست مجرد جوهر ممتدٍ خالٍ من الروح وقابلٍ فقط للملاحظة والقياس. ثمة شيء خفي في هذا العالم يتجاوز فهمنا العادي، نظام سامٍ يقبع خلف الظواهر، في إمكان الإنسان التواصل معه، وهذه هي الخلفية العميقة للكون برمته، التي يسميها غريغ برادن “الماتريكس الإلهي”. ما هو إذن هذا الماتريكس أو المصفوفة الإلهية المبثوثة في الكون كله، والتي يتعين علينا إدراكها كي نعيش في انسجام وتناغم معها؟

تعريف المصفوفة:

المصفوفة (Matrix) ليست مجرد برنامج تلفزيوني أو سلسلة أفلام ثلاثية؛ المصفوفة هي مفهوم رياضي، وبمثابة استعارة للأجهزة والأنظمة المتنوعة التي تجعلنا عبيداً للنظام حتى نبقى غير مدركين للواقع.

ما هي المحاكاة؟

المحاكاة الحاسوبية هي عملية تتم ضمن كمبيوتر وحيد أو شبكة بحيث تعيد إنتاج سلوك نظام معين بناءً على نموذج محدد مسبقاً للنظام المراد محاكاته.

المحاكاة الحاسوبية المعتادة هي عملية قصيرة الأمد غالباً، حيث تمتد لأوقات متفاوتة من عدة ثوانٍ حتى أيام عديدة؛ ولها استخدامات متعددة في مختلف المجالات؛ من محاكاة النماذج الاقتصادية، مروراً بمحاكاة المعارك والأنظمة الاجتماعية، وصولاً للمواضيع الفيزيائية والهندسية وغيرها.

هنالك خلط شائع في استخدام المصطلحات بين المحاكاة (Simulation) والنمذجة (Modeling)؛ فالنمذجة تُعتبر عملية بناء نموذج يحوي معادلات وخوارزميات تعبر عن طبيعة سلوك العنصر المُنَمذج، بينما المحاكاة هي عملية تشغيل هذا النموذج بحيث تتصرف العناصر وفق النموذج المبني مسبقاً وتُسجّل النتائج.

كيف من الممكن أن نكون في محاكاة؟

عدا عن أمثلة المحاكاة المذكورة سابقاً، يوجد عدد لا يحصى من عمليات المحاكاة التي نتعامل معها بشكل دوري: ألعاب الفيديو الاستراتيجية!

تتضمن الألعاب الاستراتيجية مثل (Red Alert) و*(Generals)* و*(Age of Empires)* و*(Civilization)* عمليات محاكاة صغيرة نسبياً ضمنها بشكل دائم؛ حيث إن فضاء اللعبة محكوم بقواعد معينة تحدد نوع الوحدات المقاتلة وخصائصها وسلوكها، بالإضافة إلى سلوك القوات المعادية ككل وغيرها، فكل لعبة جديدة في هذا النوع من الألعاب تتضمن عملية محاكاة لنماذج مبنية مسبقاً تسير وفق قواعد محددة.

عندما نُسقط هذه الفكرة على ما نعرفه بالواقع أو عالمنا الحقيقي فلا يوجد اختلاف كبير فعلياً؛ ففي المحصلة كل شيء حولنا يخضع لقواعد الفيزياء، حتى تصرفاتنا لا تعدو كونها تفاعلات بيولوجية هي في الأصل تفاعلات كيميائية، والتي بدورها لا تعدو كونها تفاعلات فيزيائية. ورغم أننا لا ندرك الآن جميع قوانين الطبيعة، لكن كل ما نعرفه يدفع باتجاه أن هنالك قوانين موحدة لكوننا تحكم كل شيء فيه.

حقيقةً، كوننا نخضع لقوانين ثابتة (أو بالإمكان تسميتها نموذجاً)، فهنالك إمكانية موجودة بأن كوننا بأكمله هو عملية محاكاة—أي تطبيق للنموذج الذي هو قوانين الطبيعة—ومن الممكن أن يكون الانفجار العظيم (Big Bang) الذي يُعتقد الآن أنه بداية كوننا هو ببساطة بداية تشغيل هذا النموذج فقط!

إلى أي حد من الممكن أن تكون هذه المحاكاة عميقة؟

حقيقةً، إن احتمال كون الكون بحد ذاته محاكاة كبيرة لا يعني أن المحاكاة لا يمكن أن تكون إلا على هذا المستوى؛ فكما أنه من الممكن لكوننا بأكمله أن يكون محاكاة، فكل جزء منه من الممكن أن يكون وحده محاكاة بحد ذاته. هذا يعني أن نظامنا النجمي أو كوكبنا الأرض بحد ذاته قد يكون محاكاة فقط، وكل ما نعرفه عما يقع خارج الأرض لا يعدو كونه جزءاً من النموذج الذي تتم المحاكاة وفقه.

عند التفكير بالأمر، من غير المستبعد كون دماغك بحد ذاته عملية محاكاة، بحيث يتكون النموذج من البنية الدماغية والمعلومات التي يتم إضافتها بشكل متتالٍ أثناء المحاكاة لتشكل أفكارك أو نشاطك الدماغي نتيجة المحاكاة بحد ذاتها. ورغم أن هذا الافتراض قد يبدو للكثيرين مرفوضاً ومُنفّراً، لكنه ممكن للغاية؛ فمن الممكن أن يكون كل ما تعرفه عن كل شيء—سواء عن نفسك أو الناس أو الكون—لا يعدو كونه معلومات مُدخلة لنموذج حاسوبي فقط.

إذا كنا ضمن محاكاة، فمن يُشغلها؟

من غير الممكن إعطاء إجابة حاسمة لهذا النوع من الأسئلة لأننا لا ندري تماماً ما إذا كنا ضمن محاكاة أصلاً أم لا. لكن بعض التخمينات بهذا الخصوص تتضمن كون عالمنا محاكاة من قِبل نوع متقدم من الكائنات؛ فمن الممكن نظرياً أن يكون كوننا بأكمله مجرد مشروع مدرسي لكائنات ما من بُعد أو كون آخر (إذا صح تعبير “كون”)، بشكل مشابه للطريقة التي يقدم فيها الطلاب على الأرض مشاريع تحوي مستعمرات بكتيرية أو فطرية في دروس علم الأحياء.

خاتمة

في النهاية، وفي ظل عدم وجود جواب محدد لكوننا نعيش في محاكاة أم لا؛ يبرز التساؤل: إن كنا في محاكاة أو لا، هل سيغير ذلك شيئاً؟ وهل من الممكن أن نعرف يوماً حقيقة وجودنا؟

تبقى كلها أسئلة معلقة، ولا أظن أن هناك جواباً مناسباً لها إن لم نُخرج عقولنا من صوامعنا المتهالكة.

“Either we’re going to create simulations that are indistinguishable from reality or civilization will cease to exist, those are the two options.”

Elon Musk