الصريمة

“التردد أكبر عقبة في طريق النجاح.”عمر المختار

تجتاح عقولنا أفكار وهواجس شتى، قد تؤثر سلباً في حياتنا النفسية والعملية. وبينما نطمح جميعا إلى مستقبل أفضل وحياة أرغد، تقف أوهام التردد حائلاً بيننا وبين أحلامنا، فتشتت تطلعاتنا حتى تصبح هباءً منثوراً.

يمتلك العقل البشري قدرات استثنائية نعلم بوجودها، لكننا نغفل عن استخدامها ظناً منا أننا غير قادرين على مواكبة الحياة، وذلك بسبب القوانين والقيود الذهنية التي فرضتها علينا ظروفنا البيئية أو عاداتنا المكتسبة.

قيود الوهم والسلوك المكتسب

كثيراً ما نقع أسرى للقيود المكتسبة؛ وحين نلتبس بين الفطرة والسلوك المكتسب، يجدر بنا التمييز بينهما: فالفطرة هي السجية والطبيعة التي يولد بها الإنسان، بينما السلوك المكتسب هو المهارة أو العادة التي تتكون بالمران والتكرار والملاحظة.

وتتجسد القيود الذهنية المكتسبة في قصة “الفيل الضخم”: عندما يكون الفيل صغيراً، يُربط بقدمه حبلٌ متين في جدار محكم، فيحاول الفكاك مراراً وتكراراً دون جدوى، حتى يستسلم ويترسخ في ذهنه أنه عاجز. وحين يكبر ويغدو قادراً على هد الجدران، يُربط بحبل ضعيف، لكنه لا يحاول الحركة أو الهرب؛ لأنه يعتقد أن وجود الحبل يعني حتمية العجز!

نحن في تعاملنا مع بعض عاداتنا ومخاوفنا نشبه ذاك الفيل؛ فنستسلم للحبل الوهمي المربوط بعقولنا، بينما نملك القوة الكاملة للانطلاق والتحرر وتجاوز عقبات التردد.

البرمجة السلوكية وأثر الكلمات

في علم النفس السلوكي، يتشكل السلوك المكتسب عبر مفهومين رئيسيين:

  1. الإشراط الكلاسيكي (Classical Conditioning)

  2. الإشراط الإجرائي (Operant Conditioning)

يعتمد التعلم السلوكي على مبدأ التعزيز والعقاب؛ فإثابة الشخص على سلوك معين تشجعه على تكراره وزيادته، في حين أن العقاب يدفعه للحد منه.

  • أهمية التوازن في التوجيه:

    • إذا كُوفئ الطفل رغم تحصيله درجات متدنية، سيتشكل لديه انطباع زائف بأن هذا أقصى ما يمكنه تقديمه.

    • إذا عُوقب الطفل على الدرجات المتدنية، فيجب أن يكون العقاب توجيهياً وبناءً دون إهانة.

    • عبارة مثل “أنت غبي” قد تحرف مسار حياة إنسان وتدمر ثقته بنفسه لعقود طويلة.

مفهوم “الصريمة” والبعد الإيماني للإرادة

تأتي “الصريمة” (العزيمة القاطعة) كحل جذري للتردد؛ فهي التصميم الواعي على أداء فعل معين، واستلزام هدف واضح ووسائل محددة لتحقيقه، بناءً على قرار ذهني إرادي.

اختلفت الرؤى الفلسفية في تفسير الإرادة:

  • المثاليون: يرون الإرادة خاصية مستقلة عن المؤثرات والظروف الخارجية.

  • الماركسيون: يعتبرونها ثمرة للمعرفة والتجربة والتربية.

  • الرواقيون: ي يرونها أساس المعرفة والسلوك لأنها جهد نفسي يقوم عليه الإدراك الذهني.

  • ديكارت: ذهب إلى أنه “لا إرادة حيث لا استطاعة”.

الإرادة في المفهوم الإسلامي

الإرادة مفهوم محوري يرتبط بالمسؤولية والتكليف؛ قال تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْن أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: 28-29)

كان هذا التخيير اختباراً إلهياً حازماً لا مجال فيه إلا للعزم الصادق والإرادة القوية.

كما أن الإرادة ليست مجرد ادعاء أو أمنيات، بل هي إعداد واستعداد واستغلال للأوقات، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (سورة الفرقان: 62)

وفسّرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأن من فاته عمل في الليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل. فالصريمة الحقيقية تقتضي استغلال الأوقات والفرص حالاً بعد حال.

مقالات ذات صلة للمزيد من القراءة:

  • ما وراء العقل الباطن

  • طبيب نفسي

  • المرحلة الفا