هرب عزازيل بعد أن كثرت أعداد من يقوم بواجبه من البشر.
كان اسمه قبل أن يرتكب المعصية عزازيل، وكان من سكان الأرض ومن أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، وكان من حيّ يُقال لهم الجن، وكان من أشرف الملائكة من أولي الأجنحة الأربعة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض، كان يسوس ما بين السماء والأرض، ولكنه لم يكن من الملائكة طرفة عين وإنه لأصل الجن. فلما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبليس على مُلك الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يُقال لهم الجن، وإنما سُمُّوا الجن لأنهم خُزّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره: إنما أعطاني الله هذا لمزية لي على الملائكة.
خُلِقَتِ الجن قبل آدم عليه السلام، وكان قبلهم في الأرض الحِنّ والبِنّ، فسلط الله الجن عليهم فقتلوهم وأجلوهم عنها وأبادوهم منها وسكنوها بعدهم. ولما أفسد الجن في الأرض وسفكوا الدماء، بعث الله إبليس ومعه جند من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم عن الأرض إلى جزائر البحور.
قالوا: فلما خُلِق آدم ليكون في الأرض هو وذريته من بعده، وصُوِّرت جثته منها، جعل إبليس -وهو رئيس الجان وأكثرهم عبادةً إذ ذاك- يطيف به، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلِق لا يتمالك، وقال: أما لئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنك، ولئن سُلِّطتَ عليَّ لأعصينك. فلما أن نفخ الله في آدم من روحه -كما سيأتي- وأمر الملائكة بالسجود له، دخل إبليس منه حسد عظيم وامتنع من السجود له: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12)، فخالف الأمر واعترض على الرب عز وجل وأخطأ في قوله، وابتعد عن رحمة ربه وأُنزِل من مرتبته التي كان قد نالها بعبادته، وكان قد تشبه بالملائكة ولم يكن من جنسهم؛ لأنه مخلوق من نار وهم من نور، فخانه طبعه في أحوج ما كان إليه ورجع إلى أصله الناري، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34)، فأُهبِط إبليس من الملأ الأعلى، وحُرِّم عليه قدرًا أن يسكنه، فنزل إلى الأرض حقيرًا ذليلًا مذؤومًا دحورًا متوعدًا بالنار هو ومن اتبعه من الجن والإنس، إلا أنه مع ذلك جاهد كل الجهد على إضلال بني آدم بكل طريق وبكل مرصد، كما قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 62-65).
الشيطان اصطلاحًا: هو العدو المعنوي، الأعزل إلا من سلاح الوسوسة والإغواء والتحريش والإيقاع؛ فيقهر الناس بقوة شهواتهم ويُخضعهم بسلطان أنانيتهم. وهو يرى الناس من حيث لا يرونه، وجنوده من الإنس والجن، يكتب بأقلامهم ويبطش بأيديهم، ويخطط للتآمر على الحق مع أوليائه ويقف وراء أتباعه، يمنيهم بالنصر والملك والثروة والقوة، لكن متى وقعت الواقعة تخلَّى عنهم وردد: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم﴾ (إبراهيم: 22).
ولمعرفة المزيد عن عزازيل وقومه يمكنك عزيزي القارئ مشاهدة وقراءة هذه المراجع:
1- الكائنات التي لا نراها
2- https://www.youtube.com/watch?v=6bmkFTFmleo
abdullah kamel's blog