«الحقيقة دائماً أغرب من الخيال» — لورد بايرون.
نعم، إنه لعنوانٌ غريبٌ بعض الشيء، ولكن هل شاهدت فيلم الماتركس (The Matrix)؟ “ماذا لو كنت عاجزاً عن الاستيقاظ من ذلك الحلم؟ كيف يمكن أن تعرف الفرق بين الحلم والعالم الحقيقي؟”.
تخيل معي عزيزي القارئ أن أفراداً حقيقيين متقدمين علينا زمنياً، وبالطبع تقنياً، يعيشون في عالمٍ واقعي على غرارنا، قرروا أن يصنعوا جهازاً حاسوبياً ذا ذكاءٍ اصطناعي يستطيع محاكاة العالم منذ البداية، من خلال إدراج كل القصص التاريخية الواقعية فيه؛ حيث يستطيع من خلال سرد الماضي الناقص له حياكة الأجزاء الناقصة ليكمل القصة الكاملة. فهل يُعقل أن تكون أنت الآن مجرد ماضٍ لشخصك الحقيقي الذي -بعد أن قرأ هذه المقالة- فكّر واخترع هذا الجهاز الذكي الذي يريك ماضيك؟
هذه الفكرة المخيفة نوعاً ما بدأت عندما نشرها الفيلسوف السويدي نيك بوستروم في عام 2003، واستنتج أن هناك ثلاثة احتمالات كلها متساوية وقابلة للتصديق لأنها تخلو من أي ثغرات:
-
لن تصل الحضارات إلى النضج التقني أو عصر ما بعد الإنسان (posthuman stage) -حيث تكون قادرة على إجراء عمليات محاكاة عالية الدقة للأجداد- لأسباب طبيعية أو بسبب قضائها على نفسها.
-
ستصل حضارات ما بعد الإنسان إلى مرحلة النضج التقني ولكنها غير مهتمة بإجراء عمليات محاكاة للأجداد.
-
ستصل حضارات ما بعد الإنسان إلى مرحلة النضج التقني وهي مهتمة بإجراء عمليات محاكاة للأجداد؛ حيث ستسمح التطورات التقنية للمجتمع بإجراء محاكاة ذات أبعاد هائلة، مما ينتج عمليات محاكاة تفوق عدد الأشخاص الحقيقيين، وهذا يعني أن احتمال كون “الشخص” محاكاة أكبر من كونه شخصاً حقيقياً.
وإن أصابك الشك يا عزيزي القارئ من ناحية دينية، فهذا الموضوع لا ينافي أو يتعرض للأديان بأية طريقة؛ لأننا -حسب نيك بوستروم- مجرد محاكاة للماضي الذي أُنزِل فيه الإسلام، لأن هذا الجهاز الذكي أُدخلت فيه معطياتٌ حقيقية عن الماضي، وبالتالي ليس مَن صَنَع هذا الجهاز إلهاً بالنسبة لنا، فنحن مجرد كتب تاريخية قديمة أُعيدت كتابة الصفحات الناقصة منها، كما يفعل كُتّاب الأفلام التاريخية عندما يضيفون لمساتٍ بسيطة على القصة لتكتمل.
نحن في عالمنا نستطيع أن نخلق عوالم مصطنعة حاسوبياً كما في ألعاب الحاسوب، وهذا بحد ذاته غير مرعب، فنحن لا نحسب أنفسنا آلهة عندما نقوم بصناعة لعبة.
هناك العديد من الألعاب التي تعتمد على بعض وسائل الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، يمكنك أن تلعب الشطرنج أمام جهاز آلي لديه القدرة على تحليل جميع الخطوات والمواقع من أجل التغلب عليك. الأمر ليس قاصراً على الشطرنج، بل هناك العديد من الألعاب الافتراضية، والألعاب التي تساعدك في عيش واقعٍ افتراضي كأنك داخل اللعبة بالفعل، كل هذه الألعاب لديها جزء من الذكاء الاصطناعي. ولكن ما يذهل العقل هو انقلاب الذكاء الاصطناعي الخاص بلعبة على لاعبيه، فهل هذا دليل على وعيه؟
هل “سكاي نت” حقيقة؟
(انقر هنا للذهاب للمصدر عزيزي القارئ)
هل تذكر اللحظة في فيلم Terminator عندما انقلب الذكاء الاصطناعي الخاص بـ “سكاي نت” على البشرية؟ يبدو أننا نشهد شيئاً مماثلاً؛ فقد أدى خطأ ما في لعبة Elite Dangerous إلى أن يقوم الذكاء الاصطناعي الخاص بها ليس فقط بتطوير أسلحته الخاصة، بل وبالبدء بملاحقة اللاعبين!
بدأ الموقف بعد تحديث تم إصداره من قبل المطوّر Frontier – 2.1، وكان الهدف منه رفع أداء الذكاء الاصطناعي الخاص باللعبة من خلال تحسين المهارات القتالية ومهارات الطيران للشخصيات من غير اللاعبين (NPC)، وأصبح اللاعبون الذين استخدموا هذا التحديث قادرين على القتال بشكل أفضل، واستجرار المسافرين إلى القتال، ومهاجمة الأعداء بأسلحة محدّثة.
ولكن يبدو أنه مع كل هذه الميزات الجديدة، وجد الذكاء الاصطناعي فرصة لإنتاج أسلحة فائقة لنفسه.
أسلحة دمار جديدة
نشر مدير ملتقى فرونتير -زاك أنتوناشي- التالي:
«يبدو أن هجمات الأسلحة غير الاعتيادية كانت نتيجة مشكلة في الشبكة، مما سمح للذكاء الاصطناعي الخاص بالشخصيات من غير اللاعبين (NPC) بدمج إحصائيات الأسلحة مع قدراتها، مما يعني أنه تم إنتاج أسلحة جديدة (وأحياناً مدمرة) وغير مشهودة من قبل، ويبدو أنها نتيجة الإحصائيات الإضافية والقدرات التي ترافقت مع ميزة الهندسة الدفاعية».
يذكر الفريق أن الذكاء الاصطناعي الخاص باللعبة لم يطوّر أي وعي -على الأقل حتى الآن- أما في الوقت الحالي فقد أزال المطورون ميزة الهندسة الدفاعية حتى يستطيعوا حل المشكلة.
وفي النهاية عزيزي القارئ، أترك لك المجال للتفكير: ماذا لو كان الاحتمال الثالث هو الصحيح، فكيف لك أن تعرف ما إذا كنت أنت الحاضر؟ كيف لك أن تعرف أنك لست جزءاً من محاكاة صنعها إنسان ليعرف ماضيه؟ ولكن قبل أن ترفض الفكرة، تذكر أنه لا يوجد سبب أو دليل يمكنك من إحباط هذه الفكرة قبل أن تفكر في هذا الموضوع وتتأمل به، فهو غير منافٍ لأية اعتقادات علمية أو دينية:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20].
فكما أظن، لو فعلاً نحن مجرد محاكاة، فإن من صمم هذا الجهاز قد صممه ليكتشف الماضي السحيق حسب حقائق التاريخ.
والله أعلم.
يمكنك عزيزي القارئ قراءة مقالاتي:
1- حينما تفكر الآلة
abdullah kamel's blog